في ذلك المساء الموغل في الصمت كانت الاستراحات الجاثمة على أحد ضفاف الاودية الجافة شمالي مكة المكرمة تتثاءب و كانت ثمة رياح خفيفة تعبر التضاريس الجبلية وتعزف مع اشجار النخيل والسدر العطشى اغاني اشه بنواح الثكالى في اخريات الليل ولكن مع تقدم خطى الليل نحو نهاياته تحول نواح الريح واغنيات الشجر الحزين الى مسرحية دموية اسدلت ستارتها على مقتل المواطن (فايز ح) في الاستراحة التي يمتلكها شمالي مكة المكرمة على يد زوجته الوافدة وابنها من زوج آخر من نفس ابناء جلدتها ودفن جثة القتيل في احد اركان الاستراحة وهروب القاتلين من مسرح الجريمة ورحيلهما الى بلدهما بعد ذلك.لم يكن القتيل يتوقع ان من احبها سوف تدبر جريمة قتله بعد زواجه منها طمعاً في سرقته بعد ان عرفت ان زوجته الاولى اودعت في حسابه مبلغ 250 الف ريالاً الامر الذي جعلها تفكر في وضع خطة للاجهاز عليه وسرقته والرحيل الى بلادها مع ابنها.وكانت جريمة مقتل المواطن قد هزت المجتمع المكي لبشاعة تفاصيلها غير انها رغم غموضها لم يعجز رجال الامن في فك طلاسمها ومعرفة القتل في وقت قياسي.وتشير الحيثيات الى ان القتيل متزوج من ابنة عمه وله منها ستة ابناء وقد تعرف على القاتلة بواسطة صديق له وتزوجها شرعياً بحضور وليها والشهود غير انه لم يقم بتسجيل الزواج بالطرق النظامية ومنذ بداية الزواج يبدو ان الزوجة بدأت في رسم مخططها الاجرامي اذ طلبت من القتيل استقدام ابنها من بلدها على كفالته ولم يتردد الزوج في تلبية طلبها وتم استقدام ابن الزوجة واستخرج له اقامة نظامية ليعيش بجانب والدته وفي احد الايام زار القتيل احد البنوك للتأكد من وجودمبلغ ربع مليون ريال كانت قد اودعته زوجته الاولى في حسابه ليقوم بــ«تشطيب» منزل لها وكانت القاتلة برفقته وتمكنت من معرفة امر ذلك المبلغ الضخم وفي اليوم الثالث من مراجعة الزوج للبنك بدأت جلسة سمر في استراحة الزوج في ابو مراغ برفقة القاتلة وابنها وكانت جلسة محفوفة بالضحكات وفناجين الشاي والقهوة واحاديث السمر .. وفي غفلة من الزوج طلبت القاتلة من ابنها احضار آلة حديدية كما كان مخططاً مسبقاً للإجهاز على الزوج وعندها غافل الابن المجني عليه وضربه على رأسه فحاول القتيل المقاومة والدفاع عن نفسه الا ان القاتلة عاجلته بضربة اخرى على رأسه مما جعله يفقد وعيه فلفظ انفاسه - وبعدها قامت الزوجة وابنها بحفر حفرة عميقة في احدى زوايا الاستراحة ودفنا جثته وهربا من الموقع ظناً منهما ان تلك الحفرة طمرت سر جريمة القتل الى الابد.
بلاغ الغياب
لم يكن احد يدري ما حدث في تلك المنطقة المظلمة حيث تسارعت الاحداث بوتيرة محمومة وانتهت فصول المسرحية بمقتل الزوج وتسليم القاتلة وابنها نفسيهما الى الجوازات كمتخلفين وبعد عدة ايام من بقائهما في ادارة الترحيل لتسفيرهما الى بلادهما وقد اشارت التحقيقات الى ان القاتلة وابنها قاما بتحويل مبلغ 30 الف ريال الى بلادهما قبيل سفرهما. واشارت التحقيقات التي اجرتها شرطة التنعيم الى ان مبلغ الـ(30) الف ريال التي حولتها الجانية وابنها الى بلادهما سحبت من رصيد القتيل وتحولت لحساب ابن القاتلة ما حدا بالجهات الامنية الى ايقاف التعاملات مع حساب الضحية لحين الانتهاء من القضية بالكامل.في هذه الاثناء كان ابناء القتيل من زوجته الاولى تساورهم الهواجس لغيابه وبحثوا عنه في المواقع التي كان يتردد عليها دون فائدة واخيراً توجهوا الى الاستراحة غير انهم لم يعثروا على اثره كماكانت زوجته الوافدة غير موجودة هي الاخرى وعندها ابلغ احد ابناء القتيل الجهات الامنية وقام بتحرير بلاغ عن غياب والده وللتو اصدر مدير شرطة العاصمة المقدسة العميد تركي القناوي تعليماته لتشكيل لجنة امنية بقيادة المقدم سعود البركاتي رئيس التحقيق في شرطة التنعيم والملازم عبدالله الحربي الضابط المسؤول عن القضية من اجل فك طلاسم غياب القتيل بتلك الصورة الدراماتيكية.
ضبط ثلاثين مشتبها
وقد ظهر حينها الحس الامني الكبير لطريق التحقيق بعد ان نجح في ضبط حوالي (30) مشتبهاً به من بينهم عدد من جنسية الزوجة .. الذين يعرفون الزوجة القاتلة وبعد التحقيق المستمر معهم توصلت اللجنة الى ان(6) من الموقوفين ربما يكون لهم ضلع بطريقة غير مباشرة في تلك القضية واثناء التحقيق معهم اعترف احدهم انه كان على علم بأمر تلك الجريمة .. وملابساتها واقر انه على استعداد لايصال رجال الامن الى منزلها في بلادها والقبض عليها.الا انه لم يفصح بمكان الجثة حتى فاحت رائحة الموت في ارجاء الاستراحة ليقوم احد اخوة القتيل بابلاغ الجهات الامنية عن امر الرائحة فتوجه فريق التحقيق الى موقع الاستراحة وبعد البحث عن مصدر الرائحة تم التعرف على مكان دفن الجثة فتم الحفر فعثر على جثة القتيل وكانت اثار الاعتداء واضحة على رأسه فتم نقل الجثة الى ثلاجة الموتى بمستشفى الملك عبدالعزيز وبدأ ملف التحقيق يأخذ منحى آخر مع الوافدين الستة وبعد الانتهاء من التحقيقات تم رفع كامل ملف القضية للجهات المعنية بانتظار صدور قرار لالقاء القبض على القاتلة وابنها عبر الانتربول او تشكيل فريق أمني للسفر الى بلد الزوجة حتى يتمكن من القاء القبض على القاتلة وابنها بالتعاون مع السلطات في بلدها ..واحضارهم للتحقيق وتمثيل تفاصيل الجريمة.
صدمة وحزن
ولأن تداعيات هذه الجريمة لازالت مرتسمة على الوجوه وتشكل جزءاً من احاديث المجالس فقد اوضح فواز العتيبي انه يعرف القتيل منذ نحو 10 سنوات ويعرفه تماماً حيث لم يكن يفكر في شيء سوى مستقبل ابنائه وكان يهمه تحقيق متطلباتهم.واضاف انه قبل يومين من جريمة قتله كان قد تواعد هو والمجني عليه على تناول وجبة الغداء سوياً والتحدث في امر مشروع عقاري يجمعهما معاً غير انه اصيب بالصدمة والحزن لفقدانه مشيراً الى ان ما حدث له كان موجعاً للغاية.واضاف انه سبق وان نصح القتيل بعدم الارتباط بتلك المرأة وضرورة صرف النظر عنها الا ان قدره ساقه لتلك النهاية المأساوية.وقال خالد اللحياني احد جيران الفقيد لم اتعرف على القتيل طيلة فترة تردده على استراحته فقد كان انطوائيا أشاهد دخوله وخروجه في فترات متقطعة خلال الأشهر الماضية الا انني كنت قد واجهت أحد أقربائه وتحدث معي بأن الفقيد تغيب عن ذويه ولايعرف أبناؤه عن غيابه شيئا وبعد تلك القصة شاهدت الأجهزة الأمنية ورجال الأمن يحيطون بالاستراحة وشاهدت سيارة الاسعاف وهي تنقل أحدا الى المستشفى وتأكد فيما بعد ان هناك جريمة قتل وقعت.
جريمة نكراء
الشيخ طلق القثامي امام مسجد الهداية بشارع الحج علق بأن ما قامت به تلك الوافدة برفقة ابنها يعد جريمة نكراء مشيراً الى ان من قتل نفساً مؤمنة بغير حق فجزاؤه جهنم ولا شك ان تعاون الأم وولدها في تنفيذ تلك الجريمة ودفن القتيل يعد من الافساد في الارض.وقالت استاذة علم النفس بكلية اعداد المعلمات بمكة المكرمة سعاد سمكري ان ما قامت به تلك المرأة بالتعاون مع ابنها يعد جريمة نكراء يستنكرها ديننا الاسلامي الحنيف الذي حث على التسامح ونشر العدل وعدم الظلم وقتل النفس البريئة بغير حق وتلك الجريمة تعد من ابشع الجرائم التي تحدث في هذه البلاد الطاهرة وتكمن بشاعتها في تجرد القاتلة وابنها من معاني الانسانية التي تتضح في تصرفاتنا كبشر نحب التسامح والعمل الخيري ونبذ العنف بكل اشكاله.واضافت سمكري ان العامل النفسي هو الوحيد خلف تلك الجريمة البشعة فقد فكرت تلك الوافدة بالزواج من ذلك الرجل وكله من اجل الاستيلاء على امواله وسرقتها والطلاق منه اذا رأت منفذا لذلك الا انها تعاملت مع قضيتها بشكل سريع حينما وسوس لها الشيطان واثر على عاملها النفسي بدفنه بعد قتله حيث يخيل لها بأن في دفنه عدم دراية للجهات الامنية عن جريمتها وهذا مما يؤكد ان العامل النفسي كان يلعب دوراً كبيراً في تحريض تلك السيدة على ارتكاب الجريمة فالسيكولوجيا والتركيبة الكيميائية داخلها كات محرضة بشكل مباشر على تنفيذ الجريمة وهناك عوامل اخرى مؤثرة تتمثل في ضعف الوازع الديني لديهاوبعدها عن الشرائع الاسلامية التي ان وجدت بأحد من البشر لم تؤد به الى تلك الجرائم المرتكبة وبشكل بشع كما فعلت تلك المرأة وقد ارادت ان تتخلص من جريمتها في وقت كانت نفسيتها مشدودة نحو الهرب والتفكير في الخلاص ورأت ان دفنه وتركه في العراء هو الحل الاسلم الذي قد يسلمها من ايدي العدالة وهذا ما لم يتحقق لها لان النفس المظلومة منصورة على اعدائها بأمر من الله تعالى.وبعرض الجريمة لمعرفة ابعادها النفسية امام الدكتور سامي الحميدة استشاري العلاج النفسي وعضو الاكاديمية الطبية النفسية الفرنسية للطب والتحليل النفسي اشار الى ان في ظل هذه المعلومات الضئيلة عن هذ الجريمة فإن رسم صورة دقيقة لما يمكن ان تكون عليه نفسية هذه السيدة القاتلة يبدو صعباً في ظل هذه الظروف مؤكداً ان هناك ابعاد اًنفسية اكيدة تكمن خلف هذه الجريمة مهماكانت دوافعها المباشرة او غير المباشرة سوى انتقام او سرقة او دوافع اخرى.ويضيف الحميدة من ناحية اخرى هناك حجم هائل من السادية والنقص الذي منه الفرح بالتلذذ من خلال ايقاع الاذى والعنف على الآخرين والشعور باهانتهم والقضاء عليهم وهذه السادية تخدم النرجسية والاحساس بالعظمة لدى الجاني ومثل هذه الشخصيات دائما ضمن الشخصية السيكوباتية وهذه الشخصية مزعجة تهدد امن الآخرين وتعرف ايضاً بالشخصية المضادة للمجتمع والآخرين وهذه الشخصية عادة تسرق وتكذب وتدمن وترتشي وتنصب وتخدع وتخون الامانة والشرف ولا تتواني في سرقة الآخرين وتقسو على الآخرين وتتمسكن حتى تتمكن واذا تمكنت طغت وبغت لا عواطف و لا دين ولا قيم ولا اخلاق ولا روابط قيمة تربطها مع الآخرين تفعل اي شيء المهم تحقيق اهدافها الدنيئة واغراضها الذاتية الكامنة في قرارة نفسها تسلك اي وسيلة مهما كانت تلك الوسيلة لديها الغاية تبرر الوسيلة فهي شخصية لا تتحرك الا تجاه تلبية غرائز معينة اوالوصول على مال او سلطة معينة وهي شخصية تؤمن بثلاثية الاهداف المهمة في نظرها (الجنس والمال والسلطة) وعادة مثل هذه الشخصية نجدها تكمن في هذه النوع منذ الطفولة ولو تتبعنا السيرة الذاتية لهذه الشخصية منذ طفولتها نجدها كثيرة المشاكل مع الآخرين وكثيرة الشجار تتسم بالعدوانية وحب الانتقام والتلذذ بإيقاع الاذى على الآخرين لا تعرف معنى للتسامح ولا التنازل وقد تكون هذه الشخصية ذكية لذا تنجح في اخفاء وجهها القبيح والشر وارتداء قناع الطهر والامانة والشرف وبذلك تنجح في خداع الناس وهنا نطلق عليها شخصية السيكوباتي المبدع.ومن ناحية اخرى فإن شخصية المجرم هذا لا يبدو متأثرا من جريمته او خائفا مما فعل او مقدرا لحجم الجريمة بل يتصور في قرارة نفسه كشاهدعلى قوته وبطشه وكأنه يقول انا هنا فعلت ما اريد. وان مثل هذه الشخصية تجد اشكالا كبيرا في اصلاحها وعبثاً في ان تعطيه الثقة والامانة والامان وان العقوبة لا تجدي معها ولا تفيد فهي شخصية لا ترتدع بسهولة ولا تتعلم من اخطائها لسبب موت الوازع الديني والوجدان الضميري ميتاً داخلها.
ادلة وقرائن
وفي اطار تفاصيل هذه الجريمة قال العميد متقاعد علابي البركاتي مساعد مدير شرطة العاصمة المقدسة سابقاً ان الجهات الامنية تسعى لجمع كافة الادلة والقرائن التي تقود لكشف المجرمين حيث يتم تشكيل فريق عمل يضم عدداً من الضباط وعلى ضوئه يصل الفريق الى القرائن والادلة التي تكشف غموض الجريمة وبعد القاء القبض على الجاني يتم تحويله الى القضاء الشرعي لتصديق اعترافاته بعد تمثيل جريمته وبعدها يتم انتظار تنفيذ الحد الشرعي بالجاني اوالجناة.
الوصول للجناة
من جهته قال مدير شرطة العاصمة المقدسة العميد تركي بن ابراهيم القناوي ان الاجهزة الامنية كانت قد تلقت بلاغا عن تغيب المجني عليه عن اسرته وحينها كثفت الجهات الامنية من بحثها المتواصل للعثور عليه الا ان تغيب زوجته الوافدة عن الانظار قاد جهات التحقيق الى الوصول الى شبهة قتل و بقيام جهات التحقيق بالوقوف على استراحة شمال العاصمة المقدسة تم التوصل الى مكان دفنه بعد انبعاث رائحة جثته من داخل الاستراحة وباختصاص فرق الادلة الجنائية وضباط التحقيق توصلت الى عدد من المشتبه بهم في القضية وتم التحقيق معهم حتى تبينت هوية القاتل وهي زوجته الوافدة والتي تبين انها تمكنت من السفر الى بلادها وجار التحقيق مع آخرين لمعرفة تورطهم في القضية ليتم خلال الايام القادمة الرفع للجهات المعنية لتحديد آلية الوصول الى الجناة خارج الوطن بعد موافقة الجهات ذات العلاقة.